محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
73
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
إنني لا أزعم أن التراث التفسيري واللاهوتي قد أهمل كلّيا هاتين الذروتين الوسائطيّتين ، إلّا أنه عاملهما بواسطة أنماط المعقولية الخاصّة بالفكر الجوهراني ، الذاتي ، المثالي ، الحرفي ، العاجز عن هضم جدلية المثلثات المفهومية المحدّدة سابقا . ففي تاريخه الكوني ، كما في تفسيره للقرآن ، نلاحظ أن الطبري ينقل كل الحكايات التأطيرية « 1 » المستلهمة من الرؤيا الأسطورية ، أو من التقوية الورعة للنبي من أجل أن يموضع ، « تاريخيا » ، كل آية . فلم تخلق الأخبار فقط وهم الكشف التاريخي عن أسباب النزول ، وإنما جعلت أيضا من الصعب التوصّل إلى الوضع الاجتماعي - التاريخي في وظيفته الوسائطية الأولية . لما ذا ؟ لأن الحدث الأكثر عادية أو ابتذالا غالبا ما يحوّر ويحوّل إلى عمل معجز ، أو درس نموذجي أعلى ، أو مقولة لاهوتية - فقهية . كنا قد بيّنا كيف أن القراءة الحديثة لا ينبغي بعد الآن أن تحذف بشكل تعسفي أو اعتباطي الحكايات الأسطورية كما فعل العقل الوضعي لزمن طويل بالنسبة لما دعاه بالأكاذيب ، والخرافات ، أو الحكايات الشعبية . وإنما ينبغي علينا أن ندمج هذه المادة بصفتها موضوعا يقوم علم النفس التاريخي بدراسته . وذلك من أجل أخذ العلم بتاريخية العقل ، والخيال ، والذاكرة الجماعية . ينبغي أن نعلم أن جميع القراءات المؤمنة تغني المراجع الوثائقية التي يحتاجها المؤلّف من أجل الإلمام بالانتربولوجيا الدينية الخاصة بأي سياق اجتماعي - تاريخي . ويمكن القول بهذا الصدد إنّ الخطاب القرآني يمارس قراءة إيمانية لذلك التراث الطويل الذي يمثّله تاريخ النجاة بالنسبة لأهل الكتاب . ولكنه يضيف إليه ديناميكيته الخلّاقة الخاصّة عن طريق إعادة تنقيح أو تعديل الرمزانية التحتية المتضمّنة في هذا التراث . ولكي يفعل ذلك ، فإنه يبني عن طريق لمسات أو تعديلات متتالية المكانة الروحية للنبي - الرسول الذي يسهم في التغيير النهائي والأخير للميثاق . ففي مرّات عديدة يطلب من هذا النبي ( أي من محمد ) ألا ينبهر أو يخاف من ثروة المعارضين له أو غناهم ، أو من كثرة أولادهم « * » . وعندئذ يقوم الخطاب القرآني بإجراء نوع من التسامي أو التصعيد على البطل المحوّل أو المغيّر للتاريخ . يقول القرآن : « وما لكم من دون اللّه من وليّ ولا نصير » ( الآية 116 ) ، ثم : لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ ( الآية 120 ) . ثم عندما يشعر النبي باليأس ، ينبغي له أن يفهم ما يلي : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( الآية 129 ) .
--> ( 1 ) في ما يخصّ مفهوم الحكاية التأطيرية ، أي التي تؤطّر للموضوع أو تمهّد له ، فينبغي القول بأنه مستمد من النقد الأدبي . وقد استخدم بشكل خاص من أجل دراسة حكايات ألف ليلة وليلة . ولكنّي استخدمته أيضا في دراسة سورة الكهف الواردة في هذا الكتاب . وقد استخدمته لأول مرة في كتابي : قراءات في القرآن ، مرجع مذكور سابقا . * الآية التي يشير إليها أركون هنا هي التالية : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ [ الآية 55 ] . وفيما بعد تقول الآية ( 73 ) : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ .